قانون الخلود‎


قانون الخلود

.. قانون الخلود ..

رحلة الحياة بطبيعتها لها بداية ونهاية هي كذلك ومن غير ذلك لا تكون رحلة على الإطلاق.
يبدأ الإنسان علاقته مع عالمه متعرفاً مكتشفاً لكل ما حوله فهو عالم جديد أوسع من عالمه السابق الذي مكث فيه 9 أشهر.
تتحول هذه العلاقة بين الإنسان وعالمه إلى علاقة أكثر ثقة؛ حيث يبدأ الإنسان يسيطر أكثر على قواعد الأشياء وقوانين لعبة الحياة ويحس أكثر أنه متمكن مما حوله بشكل جيد.
هذه الثقة المتزايدة تجعله يتحول إلى مربع جديد أكثر رشدا وأرفع سقفاً فذاك الصبي الخجول أصبح شاباً يافعا منطلقا في ملكوت الله.
وهنا تتحول العلاقة بين الإنسان وعالمه من علاقة المكتشف والمتأمل إلى علاقة الطامح والمتطلع.
وهي نقلة كبيرة في المسار الإنساني تأتي بتدرج وانتظام ولكن البعض يصل إلى هذه المرحلة باكراً نظراً لتوفر بيئة إيجابية محفزة أو طاقة ذاتية إيجابية كامنة لديه تزيده وهجاً وتألقاً.
هذا المسار يجعلنا نطرح فكرة مهمة تلح على العقل البشري منذ عقود وهي أن الإنسان مع نمو عقله واتساع مداركه وتراكم معارفه وخبراته
يزيد طموحه وتتسع أحلامه وتصبح رؤيته أبعد مما يتصور أقرانه. بل ربما أبعد مما يعقل هو أو يتصور!!
وهنا تأتي فكرة السعي الدائم إلى الخلود وهي شعور ينتاب الكثير من العظماء والعلماء والحكماء والمؤثرين والمبدعين والموهوبين حول العالم.
وقد لا أبالغ عندما أقول إن حلم الخلود موجود في عقل الكثيرين على مر التاريخ ولكن الناس يختلفون في همتهم وأعمالهم وتنظيم حياتهم
وبكل تأكيد هم مختلفون في نتاجهم ومخرجاتهم ومستوى إنجازاتهم حسبما قدموا واجتهدوا. قال تعالى (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) سورة الكهف 30.
وهذا يجعلنا نناقش هذا القانون وطريقة تفعيله في حياتنا وإمكانية استفادة الجميع منه فهو قانون أصيل من الناحية الشرعية
ومحوري من الناحية الحضارية والتنموية؛ حيث يلعب دوراً كبيراً في مسيرة بنائنا لهذا الكوكب الذي استخلفنا الله في عمارته.

* ما الأفكار التي تجعلنا خالدين رغم محدودية أعمارنا ؟هنا العديد من الأعمال والممارسات التي تجعلنا منتفعين من فكرة الخلود ومستفيدين من روعتها وجاذبيتها للنفس البشرية
سواء في حال الصحة والمرض أو الحياة والموت أو النشاط والعجز ومن أبرزها:
-1 حسن تربية الأولاد يجعل فكر الإنسان ممتداً وبصمته ظاهرة للعيان؛
حيث يزرع الخيرية والرقي في ذريته التي هي الامتداد الاستراتيجي له، وهذا مشاهد في نسل الكثير ممن اجتهدوا للوصول لهذه المنزلة وذُكروا وشكروا على صنيعهم ونتاجهم الإنساني المميز.
-2 الإنتاج العلمي والفكري والدعوي والأدبي وكل إضافة إلى الإنتاج التراكمي البشري؛
حيث إن هذا النتاج يعيش القرون تلو القرون وصاحبه تحت الأرض وقديماً قيل: «كتاب المرء ابنه المخلد».
-3 الأوقاف وهي باب مهم من أبواب الخلود؛ حيث تستمر منفعة الوقف على الموقف وعلى المجتمع حتى يرث الله الأرض ومن عليها،
وهذا ليس حصراً على الأوقاف الفردية بل حتى الأوقاف المشتركة ناهيك عن الجدوى الاقتصادية الكبرى المهمة من هذه الأعمال الخالدة.
-4 الابتكارات والاختراعات والاكتشافات العلمية وهي بوابة خلود كبيرة ومهمة في منفعتها وأجرها،
فأغلب ما بين أيدينا الآن من أدوات أو منتجات هي لأناس أضافوا الكثير لعالمنا ورحلوا وبقيت أسماؤهم وأعمالهم وأفضالهم خالدة لا تنسى.
-5 تطوير النتاج البشري واستكمال ما بدأه السابقون. وهي بوابة خلود لا تقل عن سابقتها
فكل من تطور في العلوم أو الأعمال أو الأفكار أو الممارسات وجدد فيها وأضاف عليها فهو صاحب جهد خالد وبصمة لن تنسى أبدا.
-6 صناعة الأفكار الجديدة وتوليدها. وهي حرفة مهمة جداً؛ فعالمنا اليوم قائم على قوة الأفكار التي تولد عالم المشاريع
وهنا فابتكار الأفكار وإنتاجها أو التجديد فيها حيث تنتشر بلا قيود أو عقبات في ملكوت الله هو تطبيق مهم وفاعل لقانون الخلود وتجلياته.
-7 المواقف الخالدة فكم من خالد معنا وبيننا بمواقفه البطولية وثباته على الحق أو تصديه للباطل أو نصرة مظلوم أو محروم.
-8 الذكر الطيب والأعمال الإنسانية وهنا نكون أمام نهر الخلود الرقراق الذي لا يتوقف؛
فالذكر الطيب والأعمال الإنسانية والاجتماعية والخيرية والتطوعية والانحياز للضعفاء والمسحوقين وإعانة المحتاج ودفع قوى المجتمع للتقدم والارتقاء
والمساهمة في نهوض الأوطان والمجتمعات خير تطبيق لمفهوم الخلود.
وهو خير زاد للميت في قبره وللمسلم يوم يلقى الله تعالى. ولا نغفل الفائدة الكبرى للمجتمع بجميع مكوناته من تفعيل هذه المعاني في ميدان العمل والحياة.

* ما قانون الخلود؟هو مجموعة من الأعمال والمخرجات والآثار التي يزرعها الإنسان في حياته وتستمر منفعتها بعد رحيله وانقضاء أجله.
وهنا أحب أن أذكر أن المنتفعين من قانون الخلود ليسوا الأفراد وعامة الناس فقط،
بل إن المنظمات والدول بإمكانها أن تفعل هذا القانون وتستفيد من مميزاته الكبرى ومنافعه الجمة.

- قصة خلودوقف أمير المؤمنين ما زال بيننا.
نعم فوقف عثمان بن عفان رضي الله في مكة المكرمة ما زال عاملاً من 1400 عام.
ولقد خصص له أسهما بقدر قيمته كشريك في إحدى الشركات المطورة لمحيط الحرم المكي الشريف. إنه شعور لا يمكن أن يوصف.

* محبرة الحكيمقد تتعارض فكرة الخلود المجردة مع كون الإنسان كائن محدود العمر
ولكنها مفتوحة بتجلياتها الكبرى من خلال تطبيق مفاهيم الخلود العميقة والحقيقية التي تجعلنا باقين على الأرض ونحن تحتها.


سلطان بن عبدالرحمن العثيم
مستشار ومدرب معتمد في التنمية البشرية والتطوير CCT
باحث في الفكر الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة

تعليقات